Friday, February 22, 2013

ماكبث طليق في ضمير السودان




ماكبث طليق في ضمير السودان
انتحارات الحركة الاسلامية السودانية
يمكن أن نرى إلى انقلاب الانقاذ من ناحية انتحاريته الشخصية وانتحارية الحركة الاسلامية فيه. فالمعمار المعقد لهذه الجماعة قيد التفكك بفعل دينميكياته الداخلية ومعكوفاته الخصيصة التي انطوى عليها تربيةً وشحذاً و تدجين . وبقدر انهماك الحركة الاسلامية في مستنقع السلطة انهمكت السلطة في جسدها واختطفته من مركزيته و صرامته التنظيمية وانتهت به إلى نظام محكوم بمبدأين متناقضين: الحركة الإزاحية والقبر. استلهم الاسلاميون في التمكين خيال وطموح السرطان، النمو حثيثاً باتجاه السيطرة الكاملة، التوسع الأفقي الذي هو اليتم أيضاً لإفتقاره للمركز. إن كل خلية يغزوها السرطان تتحول إلى منصة، إلى عبور باتجاه خلية أخرى. والخلية الأخرى بخلاف مؤقتيتها فهي موجودة أيضاً في الاحتمالات المكانية والزمانية كلها. يتحرك السرطان في الماضي بنفس طريقة تحركه في المستقبل. وهو يفتقر، مع ذلك، لأي لحظة ثابتة لأن وجوده مختَلج في الهناك، في الحج، في الازاحة المستمرة لهويته الحالية. لقد فقدت الحركة الاسلامية هويتها المنتحلة كأصل وانتهت إلى هويتها الحقيقية  كعبور براغماتي مستمر في تحقيق  شهوتها المحمومة للسلطة. في هذا الفقدان المرتبك مسخت ماضيها ومستقبلها بالسواء.
 هذه التعرية هي غربة المؤتمر الوطني الحالية وفضاؤه الوحيد الممكن لأنه أكل كل فرصة في النجاة من نفسه. ها افقرت الحركة الاسلامية، بيدها وبيد عمرو (ها)، الطاقة السحرية لمغنطيس الدين. ومع توغل رموزها في آسان "الدنيوي"، وتخلع الخطاب الروحاني لم يعد ذلك المغنطيس أكثر من حديدة فزعة تستدعي الشفقة رغم التوسع الوهابي الكبير في وسط السودان، هذا التهدج الذي يغذيه اليأس والخوف من الغد أكثر مما هو مشمول برحمن الرؤيا و الابتكار. اما لماذا يتوهب وسط السودان دون عداه فذلك لأن لديه بعض الترف ليستشعر الحاجة إلى الأمان، بينما غرقت كافة الأطراف الأخرى في سيل من العنف جعل من الحياة مطاردة مفزعة للعيش تفشل بالتوازي مع الفرار المضني من الموت. ليس هناك حاجة لإله وهابي أو غير وهابي عندما لا يعود الإنسان إنساناً.
اختارت الحركة الاسلامية اعدائها بنفسها بعد إفراغ الساحة السياسية والفكرية من كل منظور، والعدو الرئيسي لها هو هذا الفراغ العجائبي الذي تقف حياله كلها ووحدها. لا يرقى هذا الفراغ لمرآة لتنظر الحركة الاسلامية جسدها، ولذا تمشي الخيلاء وهي ترتدي عورتها بالذات. في هذه المتاهة الماركيزية التي ديكورها الرئيسيى قتلى وضحايا وفقراء بلادي اشتكل كل شيء عليها لأن تعريف الشيء عندها امتلاكه. لا تجرؤ الحركة الاسلامية على النوم وهناك فكرة حرة طليقة في هواء السودان، واذا امتنعت هذه الفكرة على حيل افتضاضها هاج فحل الاسلام وماج وانتهى إلى قتلها. بهذه الركاكة يحارب جيش كامل من الرقباء كتاب الرأي والذي هو في اصله حركة هامسة محطها جدل افتراضي مع ثوابت أو شكوك القاريء. تكرس الدولة الاسلامية جزء كبير من عقلها لعقل ناقة التفكير الايجابي في السودان إلى مرق التوكل. تراقب وتحصي وفي ظنها أن ذلك الكبل يمد في آجالها، لقد نسيت ان الحوار الذي تجريه الآن هو حوار مستمر مع طرف مستمر هو نفسها، أي التأهل بكامل الإرادة للجنون. تكتب الحركة الاسلامية تكرسها إلى أن تفيض عنها وتمحوها، هذا هو الأفق. إن اقل نظرة إلى تاريخ النجاة كافية لمعرفة أهمية الحوار مع العدو. فالكائنات التي انقرضت هي بالذات التي اعوزتها القدرة على إدارة الحوار مع المعطيات المتغيرة لبيئتها. في معظم الاحوال يطابق مفهوم الثبات الفناء، وفي معرفتنا المحدودة بالموت فإن حقيقة الثبات فيه كحالة هي إحدى الحقائق القليلة التي نحوزها. إننا لا نعرف الكثير عما سيحدث لموتانا ولكننا لا نعود من المقابر  إلى البيت ونحن نتوقع –هنا- رؤية من دفن قبل قليل هناك، ولذلك يمثل القبر ثباتاً مزدوجاً من حيث أن ذلك الجسد هناك فقط وأنه هناك الآن وإلى الأبد. هذا هو ما يدعو إلى اعتبار الحركة الاسلامية في السودان جثة مؤكدة لأنها اختارت إن تكون هنا وأن تكون هنا إلى الأبد، في هذا القبر المتوحد. هذا الثبات الموتي المقرون مع الازاحة المستمرة والتوسع على حساب الوجود الطبيعي لأي آخر مهما كان هو انتحار الحركة الاسلامية مرأى ومسمع روحانيتها التالفة.لا تنتهي مسرحية اوديب قبل أن يعاشر امه جهلاً بها، ويقتل ابيه جهلاً به، ويفقأ عينيه إدراكاً لجهله. ومع كل ما نراه من تخبط و فحيح نعرف أن الحركة الاسلامية عاشرت وقتلت وفقأت وجودها ولم يبق إلا ان تدرك إن تلك الجثة المتحللة هي جثتها هي.
يكون من اللازم أن نسأل إذا كان كل ما بحوزة الحركة الاسلامية هو جثتها وتحللها لماذا تفشل المحاولات المستمرة لإحداث تغيير سياسي. هنالك أكثر من علة، لكن طموحي مقصور على مساءلة طبيعة ذلك التغيير عينه اذا كان يستمد مادته وخياله وخياراته من الشروط السياسية والفكرية الراهنة التي ينتجها الخطاب الانفرادي للحركة الاسلامية. للتوضيح سأستخدم ماكبث شكسبير بوصفه حالة ذهنية نشطة تكتنف دوافع ورغبات الحركة الاسلامية في السودان. بنى شكسبير مأساة ماكبث على فكرتين رئيسيتين هما النص والتأويل. والنص في هذه الحالة هو نبؤتين اعترضتا حياة ماكبث واعادتا تشكيلها. في النبوءة الأولى تخبر الساحرات ماكبث، والذي لم يكن  أكثر من قائد عسكري ناجح، أنه سيصبح ملك اسكتلاند. هذا هو النص، وتأويله من جانب ماكبث هو بقية الأحداث. سأعود للنبوءة الثانية لاحقاً. هذه النبوءة الأولى، النص، ليست موجودة في أي مكان خارج معناها الذي انتخبه الشارح. التأويل في أصله عملية تشمل كل احتمالات المعنى، ولكن المعنى يتحقق في سلسلة إجراءات استبعادية من جهة وإثباتية من جهة أخرى . بمعنى آخر، نص النبوءة هو نص محايد ولا يحمل أي معنى في ذاته والمعنى الوحيد الذي يحظى به محدد بدرجة ناشطية تأويله. كان يمكن لماكبث أن يفسر هذا النص في نطاق معرفي بسيط قائم على القرائن الحاضرة التي يكون معها احتمال موت الملك وجميع اولياء عهده مسألة مستحيلة. نطاق الاستبعاد يشمل اختزال النص من مجال يحوي كل المعاني الممكنة إلى مجال لا يحتوي على أي معنى، ولذلك ينتهي ما يبدو كأنه لامعنى إلى الاهمال أو النسيان. ولكن ماكبث لم يهمل أو ينس تلك النبوءة ، بل اختار أن يمنحها حياة نشطة ضاغطة لا تقبل التأجيل. لقد قتل ماكبث، تحت الثقل الهائل للمعنى الذي اعطاه بنفسه للنص، ملكه دنكان وانتزع عرشه . كان ماكبث موجوداً في ذلك المعنى وليس العكس، لقد كان ممتلكاً ومنتهباً في شهوته للسلطة. هذه النبوءة ورغم انها تبدو خلق لاحتمال جديد لم يكن مطروقاً  إلا انها في حقيقة الأمر توسيع أفق ما كان دائماً حاضراً في ضميره. ما فعلته الساحرات في ماكبث هو تغيير زاوية وافق النظر في المستقبل من منظور الربوة إلى منظور جبل، عالٍ بما يكفي لتكوين افق يسمح باحتضان ذلك الممكن الجديد. هذا هو ما حدث مع الحركة الاسلامية في شهوتها الداخلية الكامنة  الى السلطة منذ تأسيسيها وهي رغبة قمعت فقط من اجل تأكيدها و من أجل الاستعداد لتحقيقها.  فطوال فترة التأسيس وما تلاها من مغامرات سياسية تم تمييع هذا النص المركزي، الشهوة إلى السلطة، تحت ستار أن الحركة الاسلامية حركة سياسية عقائدية لكنها أولاً منظومة روحانيىة قوامها الأخوة في الإسلام وغايتها التربية الروحية." العام 1979 م، غير بعيد من شاطىء النيل الأزرق، جلس بضع عشرات من طلاب العام الأول لبضع جامعات سودانية يرهفون السمع لمحدثهم تلك الليلة، الاستاذ علي عثمان محمد طه، المحامي يومها: (نحن اليوم في الحركة الاسلامية اشبه ما نكون بالمؤمن الذي قطع شهر رمضان صياماً وقياماً، وقد دخل في العشر الأواخر، يتحرى ليلة القدر، لقد قطعت الحركة الاسلامية في السودان غالب اشواطها وهي تتقدم اليوم حثيثاً لتشهد ليلة القدر)". [1] ليلة قدر اسلاميي السودان حانت في لحظة الهرجلة التي تصاحب الدروس الأولى في الديمقراطية. انقضت الحركة الاسلامية على فصل محو الامية الذي انتزعه السودانيون نزعاً من بين مستقبلات أخرى قاتمة. و خلال ثلاث وعشرون عاماً استخدمت الانقاذ المسلمة اسلامها حتى استجار منها بالنار.  والآن مع تداعي كل تلك الهروبات تحت ضغط الرغبة المطلقة التي توجه سفينة الحركة الاسلامية يتحقق المعنى الكامل لها، معناها الذي استلهمته من ذاتها وليس أي معنى خارجها. الرغبة المطلقة التي لا يعادلها إلا الخراب المطلق. ولكن هذا الكشف المأساوي حدث في مسرح مأهول ومنكشف.السودان كله هو المسرح الذي استخدمته الحركة الاسلامية لتكتشف ذاتها وتكشتف خسارتها. وفي هذه الخسارة خسرنا مع الحركة الاسلامية ودفعنا أثمان ما لم نشري.
 ولكن السودان وأهله ليسوا مجرد ضحايا، لقد كنا مسرحاً مستعداً لاحتضان مغتصبيه. بلادنا نطاق كامل من الاحتمالات والمعاني والإمكان تتشممه ضباع مستثارة للعنف. هذا هو ما اغرى ماكبث الحركة الاسلامية بالركض طليقاً في ضمير السودان. وبقدر استعداد ماكبثنا لتلقف دوره خائناً كنا وما نزال غرقى في تأويلات تحيلنا دائماً إلى محكومين، إلى سجناء و مطاردين و شعب. اننا كسودانيين نتطابق بشكل مذهل مع التعريف الرئيسي لمفردة شعب في "لسان العرب" حيث أن الشعب هو الجمع والتفريق والإصلاح والإفساد، أي الضد. اننا كل شيء ونقيض كل شيء ، ورغم الغنى الذي ينطوي عليه هذا التعقيد لم نتلمس منه سوى القشور والتسطيح الذي يعكسه عنف وفقر الجدل الفكري والسياسي اليوم. هذا العنف هو الاجابة- التي فرضت نفسها - على كل الاسئلة الجدية التي لم تطرح بشكل كاف او طرحت دون شغف.إن فخ الهوية الذي استدرجنا اليه بوصفه السؤال الرئيسي الذي في طويته تتكشف كل اسئلتنا الأخرى اكتسب مشروعية جديدة مقروئاً في صحيفة الصراعات الحالية و كأن هذه الصراعات تحوز مركزاً ثابتاً و أن هذا المركز الافتراضي هو الهوية. اعتبر ثنائية الغابة والصحراء واحدة من اخطر الدوائر المغلقة التي ضُربت على الفكر السوداني. وهي مغلقة لأنها استجابة لنمط كسول يفترض أن الهوية مكون ثابت وأن الهوية في ثباتها قابلة للتصنيف القاطع وفقاً للثنائيات التي تضع الرب مقابل العبد والرجل مقابل المرأة والحكومة مقابل الشعب والعرب مقابل الافارقة. إن هذا التصنيف كما هو واضح هو مجرد تنازل، من الطرف الذي يعتقد أنه الأقوى، لتأكيد اعتقاده في قوته بهذا الاقتران. ومن ذلك أن الهوية العربية تعرف بنقيضها: يقول "لسان العرب": العرب جيل من الناس معروف خلاف العجم.  وتحاكي هذه الروح المثل الاغريقي" اذا لم تكن اغريقياً فإنت بربري" و الحكمة الخالدة لجورج بوش  "من ليس معنا فهو عدونا". هذه هي عواقب التورط في النموذج الثنائي الذي لا يتسع لأي قيمة خلاف علاقات القوة. مع ذلك يبقى الالتهاب الرئيسي في جرح الهوية هو السؤال نفسه، لأن توطين سؤال الهوية في مجازي "الغابة" و"الصحراء" الملطخين بالنظرة الاستشراقية خطأ لا يغتفر. لقد استهلكت اوروبا الاستعمارية مجاز الغابة(الطبيعة البكر/ الزنوج الأوباش) والصحراء (النقاء/ البدوي الجلف) بكل ملحقاته لأنه كان يخدم مشروعها الامبريالي ويسوغه اخلاقياً واضطرت لاحقاً للفظه وخلق مجازات جديدة تخدم مصالحها القديمة. و الناظر إلى السودان يرى أنه بحضاراته القديمة و مكوناته الثقافية و تعقيده الأثني و اللغوي لا يقبل الاختزال في ثنائية الغابة والصحراء ولا في تسوية الهجنة التي توصلت اليها والتي لم تسعفنا في تأويل و قراءة معظم الشفرات المكتنزة في ثقافاتنا المتعددة. الهوية معقدة ومتحركة ويمكن تمثلها فقط بوصفها عملية مستمرة وليس ابداً كمنتج نهائي. إن تعرض النسيج المروي لخيوط المسيحية لا يصنع فقط هوية مسيحية لكنه يصنع ايضاً نسيجاً داخلياً يحوي كل الهويات التي تدخلت في صناعة المسيحية منذ نشأتها. وفي هذا التعقيد يتدخل تعقيد آخر هو تعقيد اللغة التي انفتحت على نظام كامل من الاشارات والترميز يفاوض نظامها المركب بطبيعته. الهوية السنارية هي هوية متحركة ايضاً وهي التذبذب المستمر الذي يسببه الاشتباك بين مجموع كل هذه الهويات. إن حدوث الاسلام لم يلغ نظام الاشارات النوبية، النوبية المسيحية ، أو الاشارت الوثنية ليصل إلى استقرار نهائي بل ظل وسيظل في جدل مستمر معها. ويسري ذلك على البنية العميقة للغة التي هي اصلاً التعرض المستمر والوجود على حواف الإمكان وليس التحقق الكامل. الهوية هي هذه المساحة المراوغة متعددة الطبقات والاتجاهات و تجفيفها إلى عنصر أو آخر يلغي خاصية هذا الجدل والذي هو الدالة الرئيسية في تكوين الهوية. سمحت المركزية الموغلة في النظر إلى الهوية في اطار العربي والمستعرب بتمرير جرائم كبيرة مثل تضييع اللغة النوبية و قمع اللغة البجاوية واهمال اللغات واللهجات الأخرى في جبال النوبة. إن التفريط في أي لغة وقتلها يعني خسارة وجهة نظر كاملة حول العالم و خسارة طريقة ناجحة في تحليل المعطيات وفهمها واعادة انتاجها، وخسارة امكانات غير محدودة في بناء البشر.
مسألة اخرى استحلبت طاقة السودان؛ اغراقه- لهزاله السياسي والاقتصادي والفكري- في صراعات اصطفتها رياح القوى التي اصحبت قدراً دولياً. إن التقاصر عن استيلاد اسئلة ومفاهيم وأطر فكرية جديدة شيء و التقاصر عن رد موجة الاسئلة المفروضة علينا شيء آخر. متى كان الصراع بين الاسلام والمسيحية سؤالاً رئيسياً لشرق السودان؟[2] الشرق الذي يدهسه العطش و ينتزع انسانيته الفقر هو ساحة حرب تحدث كل يوم وتنتهي بانتصار التخلف، وفي هذه القتامة يكون على ما يكاد أن يكون جثته الوقوع في شرك الحرب بين الأديان. ولكن الشرق أيضاً سيكون ساحة للنزاع الطائفي، لأن تدفق أموال الخليج لإخماد عطشه تعني أن هذا العطف الانمائي مشفوع لا بد بتأسيس قلعة وهابية تصد رياح التشيع وتفتك بالنزعة الصوفية. تتولد اسئلة اللاعبين الدوليين في جثتنا الخاصة ونسهر جراها ونختصم. هذا الجنون هو حصادنا وما بشرتنا بها الحركة الاسلامية حين اغرقتنا في اسهال مشروعها الحضاري وفي صراعها المفتعل مع الغرب وفي لعبة سلم الخليج وثعبان ايران.
 في النبوءة الثانية لم يكن على ماكبث تغيير منظوره فذلك الافق  الذي شتل فيه حلمه بالملك هو نفسه الأفق الذي يسمح برؤية غابة تتحرك باتجاه القصر. كانت كل الاشارات السابقة لتلك اللحظة تشير إلى حدوثها. بنى ماكبث بنفسه الرحم الذي سيولد منه خصمه.كما أن الغابة التي تمشي لم تكن آتية من وراء ظهره بل ظلت دائما امامه، كان يعرف أنها آتية لا بد ولكنه لم يفهم ابدا منطقها. الغابة التي تمشي هي لغة أخرى، مجاز/حقيقة لم يتواصل معه ذكاء ماكبث. تحركت الغابة في مستوى معرفي معزول عن المستوى المعرفي الذي يتحرك فيه ماكبث لذلك فشل في حل الشفرة وتدارك مصيره. هذا العمى هو موهبة الحركة الاسلامية  إلى جانب الاقصاء الجذري للآخر في كل اشكاله بحيث لم يتبق عود صالح تتوكأ عليه. ولكن تحلل الخطابات، والأحزاب، والمقاربات الأخرى أخطر على المؤتمر الوطني من قوتها لأنه يسلمه للفراغ الذي يعني فيما يعني تخلق افق جديد راديكالي بفعل الحاجة وبفعل الضرورة. ما يعطل تشكل هذا الافق حالياً هو الأمل في الخطابات القديمة النافقة، والتحركات الدولية والاقليمية المشبوهة. لكن ما أن ينقطع هذا الأمل ويسود اليأس ويطبق حتى تبدأ الولادات الجديدة التي سنضطر وسيضطر العالم للتحديق فيها مطولاً لفهمها .ستكون هناك غابة تمشي باتجاه القصر ولن تفهمها الحركة الاسلامية ابداً. لكن ذلك لن يحدث قبل أن يحدث القطع الكامل بين الخطاب والمستوى المعرفي الذي تذوب فيه الحركة الاسلامية حالياً والمستوى المعرفي الجديد. إن فشل كل المحاولات الفائتة لإنتاج تحول سياسي سلما وحرباً، هذا الاجهاض المستمر، سببه سيطرة الخطاب الواحد والذي ظل ينتج ويعيد انتاج نفسه متحولاً بذلك إلى الفضاء الصمد الذي يفسر كل الظواهر من حوله وفقاً لنظامه الفكري وذرائعيته السياسية. اننا اذ نخرج إلى الشارع متظاهرين فإننا لا نخرج على انما نخرج في خطاب سياسي حدده المؤتمر الوطني ورسم أبعاده كلها بما في ذلك احتجاجنا عليه. وعندما ننتخب أو نقاطع فإننا نتحرك بالذات في الاحتمالات التي تركها لنا ذلك السياق الواحد. داخل ذلك الخيال المهيمن تفقد كل ظاهرة معانيها المحتملة لصالح معنى محدد سلفاً (يعتقل المؤتمر الوطني حركة التغيير في حدود رد الفعل وليس في لا حدود الفعل )، لذلك تفشل المذكرات والمظاهرات والحركات والمفاوضات و الانتخابات والغد. لذلك تغرق كل اصوات الاستغاثة في الثقب الاسود لهذا الخيال. نحن سجناء عقل الحركة الاسلامية والخروج منه لا يبدأ بسؤال من أين اتى هؤلاء، ولا بسؤال من نكون، بل بالشك في هذه الاسئلة وتقويضها للخروج منها إلى اسئلة جديدة تخلق الخيال والعقل الجديد.

                                                                             نجلاء التوم
                                                                             نوفمبر 2012


[1] المحبوب عبد السلام ، الحركة الاسلامية السودانية: دائرة  الضوء خيوط الظلام، ص 14
[2] انظر مقال د. عبدالله علي ابراهيم " إن الدين عند الله الاسلام"، 25 ابريل 2012. صحيفة سودانايل الالكترونية

5 comments:

  1. تتشرف شركة المثالي جروب للنظافة الشاملة بالمنطقة الشرقية بتقدم شركة تنظيف منازل بالخبر والتي تقدم افضل خدمات تنظيف المنازل والشقق والفلل والمجالس والكنب والسجاد والموكيت بالاعتماد عليافضل الامكانيات الحديثة والعمالة الماهرة وخبرة عشرات السنوات بمجالات التنظيف لجميع اركان المنزل وكل مع يحيط به فمع شركة تنظيف بالخبر تستطيعون الحصول علي افضل جودة ممكنة لتنظيف المنازل بارخص الاسعار المثالية

    شركة تنظيف منازل بالخبر
    شركة تنظيف الخبر

    ReplyDelete
  2. شركة طيوب لتسليك المجاري تعد الشركة الاولي بالمنطقة الشرقية لتسليك المجاري وشبكات الصرف وبالوعات الصرف للمطابخ والحمامات باستخدام افضل الاجهزة الحديثة وامهر العمالة المتخصصة والمدربة علي تسليك مجاري المياه وسبكات الصرف وفق القواعد الاساسية لتسليك المجاري فتعد شركة طيوب لتسليك المجاري خير صديق لراغبي تسليك مجاري المياه فلديها افضل شركة تسليك مجاري بافضل جود وارخص الاسعار بجميع مدن ومحافظات المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية فلدينا الخدمات الاتية

    شركة طيوب لتسليك المجاري
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالقطيف
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالدمام
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالخبر
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالجبيل
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالاحساء
    طيوب للمجاري
    طيوب لتسليك المجاري بالقطيف
    طيوب لتسليك المجاري بالمنطقة الشرقية

    ReplyDelete